محمد الغزالي

455

فقه السيرة ( الغزالي )

ثم يقول : « قل : يا أيها الناس إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : هل تدرون أيّ بلد هذا ؟ » فيصرخ به ! فيقولون : البلد الحرام ، فيقول : « قل : إنّ اللّه حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا » . ثم يقول : يا أيها الناس ! إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « هل تدرون أيّ يوم هذا ؟ » . فيقول لهم . . فيقولون : يوم الحج الأكبر ، فيقول : « قل لهم : إنّ اللّه قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا . . » . كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يريد - بعد بلاء طويل في إبلاغ الرسالة - أن يفرّغ في اذان الناس وقلوبهم اخر ما لديه من نصح . كان يحسّ أنّ هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة واحده ، فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار ، يوصيه الرشد ، ويذكّره بما ينفعه أبدا . وكان هذا النبيّ الطيب صلى اللّه عليه وسلم كلما أوجس خيفة من مكر الشيطان بالناس ، عاود صيحات الإنذار ، واستثار أقصى ما في الأعماق من انتباه ، ثم ساق الهدى والعلم . . . وقطع المعاذير المنتحلة ، وانتزع - بعد ذلك - شهادة من الناس على أنفسهم وعليه أنّهم قد سمعوا ، وأنّه قد بلّغ . لقد ظلّ ثلاثا وعشرين سنة يصل الأرض بالسماء ، ويتلو على القاصي والداني اي الكتاب الذي نزل به الروح الأمين على قلبه ، ويغسل أدران الجاهلية التي التاث بها كلّ شيء ، ويربّي من هؤلاء العرب الجيل الذي يفقه الحقائق ، ويفقّه العالم فيها . وها هو ذا يقود الحجيج في أوّل موسم يخلص فيه من الشرك ، ويتمحّض فيه للّه الواحد القهار . وها هو ذا على ناقته العضباء يستنصت الجماهير المائجة ليؤكّد المعاني التي بعث بها ، والتي عرفهم عليها ، ويخلّي ذمته من عهدة البلاغ والتبيان التي نيطت بعنقه . لقد أجيبت دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام حين هتف وهو يا بني البيت العتيق : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) [ البقرة ] . إنّ العزيز الحكيم تجلّى باسميه الجليلين على هذه الديار ، فوهب العزّة